فخر الدين الرازي

67

تفسير الرازي

وبطنها كنز " واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به ، ذكر المقسم عليه وهو أمور ثلاثة : * ( إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) * . أحدها : قوله : * ( إن الإنسان لربه لكنود ) * قال الواحدي : أصل الكنود منع الحق والخير والكنود الذي يمنع ما عليه ، والأرض الكنود هي التي لا تنبت شيئاً ثم للمفسرين عبارات ، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة : الكنود هو الكفور قالوا : ومنه سمي الرجل المشهور كندة لأنه كند أباه ففارقه ، وعن الكلبي الكنود بلسان كندة العاصي وبلسان بني مالك البخيل ، وبلسان مضر وربيعة الكفور ، وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن : * ( الكنود ) * هو الكفور الذي يمنع رفده ، ويأكل وحده ، ويضرب عبده ، وقال الحسن : * ( الكنود ) * اللوام لربه يعد المحن والمصائب ، وينسى النعم والراحات ، وهو كقوله : * ( وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدره عليه رزقه فنقول ربي أهانن ) * . واعلم أن معنى الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً ، وكيفما كان فلا يمكن حمله على كل الناس ، فلا بد من صرفه إلى كافر معين ، أو إن حملناه على الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه من ذلك ، والأول قول الأكثرين قالوا : لأن ابن عباس قال : إنها نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي ، وأيضاً فقوله : * ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ) * لا يليق إلا بالكافر ، لأن ذلك كالدلالة على أنه منكر لذلك الأمر . الثاني : من الأمور التي أقسم الله عليها قوله : * ( وأنه على ذلك لشهيد ) * وفيه قولان : أحدهما : أن الإنسان على ذلك أي على كنوده لشهيد يشهد على نفسه بذلك ، أما لأنه أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده ، أو لأنه يشهد على نفسه بذلك في الآخرة ويعترف بذنوبه القول الثاني : المراد وإن الله على ذلك لشهيد قالوا : وهذا أولى لأن للضمير عائد إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا هو لفظ الرب تعالى ويكون ذلك كالوعيد والزجر له عين المعاصي من حيث إنه يحصى عليه أعماله ، وأما الناصرون للقول الأول فقالوا : إن قوله بعد ذلك : * ( وإنه لحب الخير لشديد ) * الضمير فيه عائد إلى الإنسان ، فيجب أن يكون الضمير في الآية التي قبله عائداً إلى الإنسان ليكون النظم أحسن . الأمر الثالث : مما أقسم الله عليه قوله : * ( وإنه لحب الخير لشديد ) * الخير المال من قوله تعالى : * ( إن ترك خيراً ) * وقوله : * ( وإذا مسه الخير منوعاً ) * وهذا لأن الناس يعدون المال فيما بينهم خيراً كما أنه تعالى سمي ما ينال المجاهد من الجراح وأذى الحرب سوءاً في قوله : * ( لم يمسسهم